يعد بول أوستر أحد أهم الأدباء الأمريكيين المعاصرين، وروايته ثلاثية نيويورك تُقدّر بين النقاد بأنها درة أعماله، وهي رواية تتناول الهويات الضائعة في المجتمع الحديث.
هناك الرجل الذي يمضي في كل مكان بمجموعة من عصي قرع الطبول، لاطماً بها الرصيف بإيقاع طائش، عبثي، منحنياً على نحو مرتبك وهو يتقدم في الشارع ويقرع الإسمنت مراراً وتكراراً. وربما كان يحسب أنه يؤدي عملاً مهماً، ولو لم يقم بما هو عاكف عليه فلربما انهارت المدينة، وربما كان القمر سيخرج عن مداره، ويرتطم بالأرض.
وهناك من يحادثون أنفسهم، ومن يدمدمون، ومن يصرخون، ومن يلعنون، ومن يتأوّهون ألماً، ومن يسردون على أنفسهم القصص وكأنهم يحكونها لشخص آخر. وهناك الرجل الذي رأيته اليوم جالسا وكأنه كومة من القمامة أمام محطة جراند سنترال، والحشود تنطلق متجاوزة إياه، وهو يقول بصوت عال مليء بالفزع: "فرقة المارينز الثالثة... التهام النحل... النحل يزحف خارجا من فمي". أو المرأة التي كانت تهتف برفيق خفي: "وماذا إذا لم أكن أريد ذلك! وماذا إذا لم أكن أريد
الأمر الاستثنائيّ في عملية الكتابة، أيًّا يكن نوعها، شعرًا أو قصة أو غير ذلك، هو أنك في الواقع تفقد ذاتك عبر الانغماس بكلّيتك في العمل الذي تكتبه، وهذا أمر جيد للغاية لولا أنك لا تشعر به ولا تدركه على تمامه. أقصد أنّ الكاتب قد ينخرط في الكتابة حتى يصبح غير مدرك لمشاعره الشخصية بمعزل عما يكتبه. فالكاتب في هذه الحالة، متعمّق في الموسيقى الداخلية للعمل الذي يؤلفه ومتوحّد معه بعيدًا عن أيّ حالة شعورية أخرى.
بظني أنّ الكتابة هي شكل من أشكال التأليف الموسيقيّ للأصوات. لذلك، وبالنسبة لي، بما أنّ الفقرة هي وحدة التأليف في العمل الروائي، فإن البيت الشعري هو وحدة التأليف في القصيدة، وعليه، فأنا أعمل على الفقرة حتى أشعر أنّها نضجت وامتلكت إيقاعات موسيقية ملائمة، وتوازن مثالي، ولحظات تشويق غير متوقعة بشكل متقن.
بول أوستر، روائي أمريكي ذائع الصيت، بدأ حياته مترجمًا للأدب الفرنسي قبل أن يحظَ لنفسه طريقًا ملفتًا بأعمال راسخة، تُرجمت إلى عديد اللغات. نال أوستر العديد من الجوائز، أبرزها جائزة الأكاديمية الأمريكية للفنون والآداب.